الشيخ السبحاني

14

مفاهيم القرآن

عاشراً : من حيث تناوله لأدق المعارف العقلية ، والقضايا الاعتقادية الرفيعة التي لاتصل إليها أفكار البشر ، ولا تبلغها علومهم ، ممّا يتعلّق باللَّه سبحانه وصفاته وأسمائه وأفعاله ، وما أخبر به من عوالم غيبية في الملأ الأعلى ، والنشأة الأُخرى . إلى غير ذلك من الجهات والوجوه التي يقصر البيان عن الإحاطة بها ، وإحصائها في هذا المختصر . غير أنّ الجهة الأخيرة من هذه الجهات وهي التي كان يتوجب تناولها بالدراسة الوافية والتحليل الشامل ، وخاصة في عصرنا الحاضر ، قد أُهملت في مؤلّفات المفسّرين غالباً فهم لم يدرسوها بجامعية تليق بالموضوع وتناسب أهميته ، وتعطي حقه من العناية والبحث . ولعلّ عذرهم في ذلك هو أنّ تفسيرهم للكتاب العزيز كان على وجه التفسير التدريجي للقرآن ، أي التفسير سورة فسورة ، وآية فآية ، ولم يتبادر إلى أذهانهم إنّ هناك نوعاً آخر من التفسير هو التفسير الموضوعي الذي يفسّر الكتاب العزيز حسب المفاهيم والموضوعات ، وهو النمط الذي أشرنا إليه في مقدمة الجزء الأوّل من هذه السلسلة القرآنية . * * * لزوم الاهتمام بالمعارف الإلهية وإنّما ينبغي إعطاء المزيد من الاهتمام بالمعارف الإلهية التي ترتبط باللَّه سبحانه ، وأسمائه وصفاته وأفعاله وغير ذلك ممّا تناوله القرآن بالدقة المشهودة ، لأنّ تناول القرآن لهذه المعارف بهذا الشكل يدلّ - بوضوح لا يقبل الجدل - على أنّ النبيّ الأُمّي - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - لم يأخذ هذه المعارف إلّامن مستقى ( الوحي ) ، إذ من المستحيل لابن الجزيرة الخالية من أيّة حضارة وثقافة أن يأتي - في كتابه - بما أبهر عقول الفلاسفة والمفكّرين ، في القديم والحديث ، وذلك من لدن نفسه وصنع فكره ، أو يكون قد تلقّاها في مدرسة ، أو اقتبسها من معلّم في أرض لم يعرف أهلها إلّاالأوهام ، ولم يؤمنوا إلّابالخرافة ، فلا ثقافة